أبوالسعود محمد يكتب.. رسائل الياسمين11

حكاية يوسف العربي

 

عزيزي أحمد..

حدثتك عن الكريز بصحبة يوسف، واليوم سأحدث عن التوت معه، وأنا ما زلت أتتبع أثره، وسر ليلة ما قبل الاختفاء، التي استيقظ فيها يحملق في هاتفه، ثم اختفى!
يوسف لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وذكّرني بمثلها مع ياسمين، وكثيرًا ما كان يربط الأمور ببعضها البعض بشكل لا يفعله إلا شخص كان يعيش الحكاية بكل جوارحه، ولما تركها كأنه ترك عقله في دهاليزها، واحتفظ فقط بخياله يتنفس شذاها.
في غابة كبيرة لأشجار متنوعة، حيث شجر التوت، وأينما وجد التوت كان يوسف.

لم نكن نعلم أن تلك هي شجرة التوت غير أن أحدهم، أخبرني بذلك، فاصطحبته إليها يومًا، ولما قطفت منها، منحته الثمرة الأولى وقلت له تذوق.. فعل يوسف وسألني هل هذا توت؟! قلت نعم، تنهد طويلًا، وقال وقد أصابه ذهولًا، ثم دوارًا، وتداع مذاق الثمرة ذكرى ليلة رائعة، التقى فيها ياسمين في حفل موسيقي رائع.
قال لي واصفًا ليلته: تجلت في ليلتي تلك روح المحبة متوهجة نورًا ونارًا لم يهدّئها إلا قطعة الحلوى التي منحتي إيها ياسمين، فكأنها حلوى من الجنة، امتزجت بموسيقى تلك الحفل المبدع الذي تحبه ياسمين منذ عرفتها أول مرة، امتزجت بالجنة التي كنت أشعر بها وأنا أجلس بجوار ياسمين.

لا أكذبك يا صديقي إن قلت لك إنني أحتفظ بغلاف القطعتين حتى الآن، كتميمة تشرح صدري كلما ضاق من منغصات الحياة.
ولو وصفت لك ما كانت ترتديه من ثياب مبهر كما لو صُنع لهذه الليلة خصيصًا.. لو وصفت العقد الذي طاق جيدها، كما لو التف حول عقلي فسلب إرادتي، ولو وصفت لك ساعة يدها التي ألهبت معصمها جمالًا وهي تمنحني قطعة حلوة التوت التي أشعلت فؤادي، فأصبح كمن يرقص مع دقات مؤشرها، أما صدقتني؟! كل ما أستطيع قوله إنني غِبت -وقتها- لحظة عن الدنيا، تتشبع جوارحي من مذاق التوت الذي صُنعت منه الحلوى، تغلغل مذاقه في جسدي، أكسجين يقاوم تنهيدة متعبة، ملأ نفسي سكون السر، واتسعت روحي ملء الكون، واقتنصتها ملء الفرصة، واحتضنتها ملء الرغبة. كانت هي موسيقى الحفل، وحفل الموسيقى.

أحد المدعوين اختطف اللحظة مني عنوة، كنت تناسيت أمره، وأنا من حرصت على دعوته يأتي بصحبتها، كي يبدو الأمر طبيعيًا.. طبيعي جدًا مثل جنوني تمامًا!
حاولت اختراقه إليها، لاحظت -بفطنتها- أمر جنوني.. فمنحتني قطعة حلوى جديدة.

هكذا كان يوسف يا صديقي، حالمًا رغم وجعه وحزنه على حبه الذي فارقه فارًا إلى مكان صبر لم ينله.
اعلم يا صديقي أن العاشق يبقى طفلًا حالمًا حتى متى فارقه حبيبه صار كهلًا فجاءة، كهولة لا يعود منها أبدًا، مهما حاول أن يعيد نشوة النظرة الأولى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock