أبوالسعود محمد يكتب..رسائل الياسمين12

عزيزي أحمد..

ذهبت اليوم إلى المدرسة التي كان قد التحق بها يوسف لتعلم اللغة الألمانية، أبحث عنه عله ما زال يذهب إليها، إذا ما كان قد غيّر محل إقامته أو المشفى الذي يتلقى  فيه علاجه، دون أن يخبرني.

وجدت فتاة بملامحها التركية الصارمة تبدو مديرة المكان، قالت لي عندما سألتها بالإنجليزية عن يوسف: لا أعلم، يمكنك أن تنتظر”علي بابا” فقلت لها: من”علي بابا”؟! وهل الألمان يطلقون على أبنائهم هذا الاسم؟! فأجابتني بحزم شديد: لم أقل علي بابا.. لكن”أكبابا”، وعندما وجدتها علي هذا الحال قلت”معذرة.. من هو “أكبابا”؟! ثم تذكرت الاسم.
تلك الفتاة التي حدثني عنها يوسف وودت أن أراها ذات يوم، وقد جاء اليوم لأرى شبيهة ياسمين كما يدعي يوسف.

استطردت المديرة كلامها”اكبابا.. ليغاغن يوسف”، و”ليغاغن” بالألمانية تعني المعلمة.
لحظات وجاءت فتاة تبدو رشيقة، رقيقة، حادة الذكاء، تدعي أنها ألمانية، لكن اسمها وملامحها تخبرك وللوهلة الأولى أنها من أصل عربي أو تركي.
أخذت أركز في وجهها الطفولي الذي ظهر أمامي كوجه الحب الذي جسده يوسف في ياسمين، وكل فتاة يرى أنها تشبهها.
اخطأت للمرة الثانية، وقلت لها:”أنت علي بابا”، فابتسمت وقالت أكبابا، أصلي من تركيا، قرية أبي علي الحدود بين سوريا وتركيا، أتحدث قليلًا من اللغة العربية، كيف أساعدك؟
سألتها هل ما زال يوسف يحضر للمدرسة؟! أجابت: انقطع عن المدرسة منذ أيام، ماذا به؟
قلت: جئت أسألك، لقد اختفى، ولا أعلم عنه شيئًا، فقالت بإذن الله تجده، ويعود لنا جميعا، فشكرتها ورحلت.

تذكرت حديث يوسف عن هدوئها، وشبهها لياسمين ، وكيف جاءني طائر من السعادة عندما أمسكت اكبابا يده، بعد أن فُتحت إشارة المرور فجأة، وهما يمران على الطريق معًا. وعندما سألها لماذا أمسكت يدهُ بلهفة، قالت له بصوت طفولي رقيق ولغة عربية بسيطة كان يحاول أن يعلمها لها: “أنا أخاف انت تموت”.

جاءني يوسف يحكي الموقف، مبتسمًا: تخيّل أنني لم أسمع كلمة الموت بهذا الجمال من قبل، لكني كنت قاسيًا وقلت له: “أتنسى ياسمين بمعلمتك الجديدة؟! تغيّر وجهه وقال صارخًا، بل أتذكرها بها، قلت لك أنها تشبهها.

قلت له ليس هناك من يشبه أحد، وأنت شخصيًا قلت في بعض أشعارك لياسمين أن لعبة المتشابهات لهي لعبة خطيرة، تشبه الإدمان، وإني لا أشعر أنك قد أدمنت اللعبة يا صديقي.. ولقد أمسكت الفتاة يدك بدافع إنساني ليس أكثر،فهكذا يفعل الألمان أمورهم بعفوية ياصديقي!

هل كنت قاسيًا عليه يا أحمد؟! بهذه الكلمات هل يجب أن نساير مجانين العشق يسرحون في اللا وعي، أم نحاول إنقاذهم ببعض كلمات كالصدمات الكهربائية، إنه لأمر محيّر، لقد قال لي يوسف أن الفتاة متزوجة، بل وقال إنه قابل زوجها وأخاها ذات يوم ووقت خروجهما معًا من المدرسة، فبدا عليه الارتباك للحظات، لكنه تخلص منه بالحديث عن إنه تنبأ للعائلة بإنجاب ثلاثة أطفال في المستقبل القريب.

كان يوسف يعلم من قراءة الكف بعض الشيء، هي حيلة كان يلعب بها مع بعض الأصدقاء، حتى إنه أصرّ ذات يوم يعلمني بعضًا منها، فلما قلت له عن حرمة الأمر، قال: “هكذا قالت”اكبابا”، لكني أقنعتها وقرأت لها الكف، وأخبرتها بهذا، قلت له أنا لم أسمع أو أقرأ عن جنون قبل ولا بعد جنونك يا يوسف، كأنك تمشي يا صديقي على غير هدى، فقال لي: لا تلومني.. فكثيرًا ما يبدو أمر النهاية ببدايات جديدة مجنونة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock