أبوالسعود محمد يكتب..رسائل الياسمين7

حكاية يوسف العربي

 

عزيزتي ياسمين..

عندما تتزاحم الهموم في الإنسان، لا يجد أمامه إلا الاستسلام. الآن وأنا أراسلك، بعد ما سألتك كثيرًا عن مخاوف تتعلق برسائلي، وإمكانية وصولها إليك، ومكانها من قلبك، هل تسبب لك متاعب على متاعبك؟
الآن أشعر بحالة من الإعياء الشديد، والحيرة المفرضة، والتيهة المدهشة.. نعم ظننت أنني بدأت أسير على طريق رسمته لنفسي بعيدًا عنك بدقة متناهية، لكن الأمر لم يجدِ، ولم يصبح كذلك على الإطلاق.

تكاثرت الهموم والأوجاع.. تغلغلت في جسدي ونالت من نفسي وعصرت بقايا قلبي، اختلط حابلي بنابلي، لم يعد لي الأبيض ولا الأسود بلونهما المعهود.

كان ماء المطر في الماضي يفرح قلبي، والآن هبط ماء المطر من سماء”بريمن” بعد موجة حارة، لم تعهدها ألمانيا في تاريخها، اختلط ماء المطر بحبات التراب التي كانت قد اعتلت أوراق شجر”بريمن” خلال أيام الحر السابقة.
لم يعهد شجر ألمانيا كل هذا السكون، كما لم يعهد قلبي كل هذا الإعياء. أيام عصيبة، وصلت فيها درجة حرارة الطقس 37 درجة مئوية، وإنه لشئ عظيم هنا في ألمانيا. كان قلبي -كل يوم- ينافس كل هذا الحر باشتعاله شوقًا إليك، الشمس تقترب من الرؤوس، والقلب بلغ مني مبلغ القلوب من الحناجر .

لأول مرة ذهب الألمان يستخدمون أجهزة التهوية لتهدئة الحر، والمظلات ليدفعوا عنهم أشعة الشمس الحارقة بدلًا من صد الأمطار الثلجية، لم يكن الألمان يعتمدون على التكيفات متعددة الاستخدام كما يحدث في بلادنا، فهم يستخدمون المدفآت في شتائهم القارص، أما الصيف فكان أمرًا عزيزًا مرجوًا، لكنه جاء هذه المرة كضيف ثقيل دخل البلاد.

لا أُكذبك في شعوري أنني ضيف ثقيل في هذه البلدة.
فهل جاء الصيف الجديد ليخبرني عن كيفية أن يكون الضيف ثقيلًا إذا دخل قرية لم يعتد فيها الناس علي مثله من البشر الذين يحملون وجعهم أينما ذهبوا؟!
حالتي الآن يا ياسمين أصبحت شبه الحالة التي تعيشها ألمانيا من اضطراب صدمة الحر الشديد، فأنا أعيش اضطراب لهفة شوقي وعناد صبري.

أنا الآن أسأل نفسي.. لماذا جئت هنا؟! وكيف سأستكمل هذا المجئ؟! هل هو آخر محطات الرحيل، أم البداية، هل سيكون لي هنا مستقرُ ومتاعُ إلى حين، أم اعتاد قلبي الترحال؟ هل سأعود إليك يومًا.. إلي نفسي يا ياسمين، أم أنني حجزت تذكرة ذهاب بلا عودة؟ أنتقل من مكان إلى آخر، من حالة إلى آخرى، من وجع إلى آخر، من هروب إلى هروب، لا مستقر لى ولا متاع معي، ولا امتناع يشدني عن الرحيل، لا راد ولا مردود إلى أي شيء. ما أشقى أن يهرب الإنسان من مقصده يا ياسمين!
وأنت وحدك مقصدي ومهربي.. رفضي ومطلبي.. مداري واحتضاري، وانتشاري واختصاري وكل شئ!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock