أبو السعود محمد يكتب..رسائل الياسمين 10

حكاية يوسف العربي

 

صديقي أحمد..

علك تسأل لماذا لم أكتب إليك عن رسائل ياسمين منذ أيام؟
حدث ما لم أتوقعه، لقد فقدته.. لم أعد أجده هنا أو هناك، بحثت عنه في كل مكان أتوقع أن يكون فيه، ولم أجده.. كأنه حلمًا تسرب من بين يديّ، تبخر مني بسرعة، هو وحكايته وأشعاره.. سألت عنه كل من رأيته برفقته ذات يوم، بل ومن لم أره برفقته أيضا.

كلما سمعت أن أحدهم يعرفه ذهبت إليه، جرجرني سؤالي عنه من شخص إلى آخر دون فائدة، لم يكن هو كثير الاختلاط بالناس هنا على كل حال، ربما اكتفى بحكايته، بأشعاره، بأحلامه، بأوجاعه. وربما كان يخلو يفكر في بعض الكلمات التي حدثته بها عن الآمال كلما خلونا معًا على ضفة نهر فيزر تحت أشجار الكريز أو التوت.

قال لي بعض الذين كانوا يشاركونه غرفته أنه استيقظ منذ ليلتين، يحملق في هاتفه مضطربًا، يشعل الإضاءة ثم يطفئها، ثم يشعلها ثم يطفئها، ولما تحدث معه أحدهم عما يفعله ترك الغرفة وذهب خارجًا، ولما استيقظوا صباحًا لم يجدوا له أثرا.

كان يوسف مغرمًا بالتقاط حبات الكريز وأكلها معي، ونحن نتسامر حكاياتنا التي كثيرًا ما تشابهت.
يقترح علىّ أن نلتقط الثمار المتساقطة من أعلى الأشجار، فأشور عليه ألا ننتظر السقوط، وأقول: “تعال نلعب مع الفكرة قليلًا، سأتسلق أنا شجرة الكريز كالأطفال، وتلتقط أنت ما ألقيه إليك”.
أتسلق الشجرة وأجلب له أجمل الكريز وأطعمه، ويلتقط هو ما ألقى به إليه، ثم أقترح أن ننتظر حتى نغسل الحبات قبل الأكل، فيضحك ويقترح عليّ أن نأكلها كما هي بلا غسيل، بعض كلمات منه تجعلني أستجيب.

كان يقول لي دع الطبيعة تلهو معك، لا تخشى منها ضررًا، إن الطبيعة تهديك فطرتها فلا تشوهها بانتظارك وقت طويل للتفكير في مستقبل علاقتكما الحالية.
لقد غاب عني يوسف بلا سابق إنذار أو تنبيه، لم يترك دليلًا على مكانه.
تعودنا هنا على غياب بعضنا بلا إنذار مسبق، ربما أخذته الشرطة، وربما انتقل لمقاطعة أخرى، سكن آخر، أو رُحل إلى إيطاليا، عاد إلى موطنه، إلى ياسمينة، لا أعلم يا صديقي حقًا.

هل أرسل يوسف رسائلي التي حولت فيها شعره لحكاية إلى ياسمين، هل راسلته أخيرا، هل مزقها وجعا؟
لم أعد أعلم شيئًا الآن، كان يقول لي إن الكلمات تزيده اضطرابًا.. تنفض قلبه، تفاصيلها ودلالتها كأني كنت ثالثهما في الحكاية!
كان يوسف يفقد قدرته على التذكر من حين لآخر.. وبدأ يأخذ بعض المهدئات، أما أنا فكنت أتذكر كل تفاصيله التي يقصها لي في الحكاية، حتى وإن لم يكن كتبها في شعره.

كثيرًا ما تركته يستغرق فيها، ويحكي بمشاعره ودهشته وسعادته وأحزانه المتلاحقات، كنت فقط أقول له: أحك لي يا يوسف عن ياسمينتُك، فيغضب، ثم يبتسم فجأة، ويبدأ في سرد تفاصيلها دون وعي، فلا أقاطعه حتى يقف عند موقف موجع، فأقترح عليه أن يتسلق هو الشجرة هذه المرة، فينطر إلىّ بخجلٍ قائلًا: “لا.. أنا دوري التقاط ما تلقي به من الثمار، أما أنت فدورك هناك في الأعالي”. غير أننا كثيرًا ما كنا نترك شجرة أكثر إثمارًا ونذهب لشجرة أقل منها في ذلك، بعيًدا عن أعين المارة، خاصة من الألمان الذين يجدون في ذلك اختراقًا للقانون والطبيعة والأخلاق الإنسانية، ربما يعتقدون أننا قوم يأجوج ومأجوج، وأن هذا الشجر لا يجب أن يلمسه بشر.
لم نقتنع بمبررهم على الإطلاق، ولن يقتنعوا بمبررنا على الإطلاق، إن الثمار خلق للأكل.

في اليوم الذي سبق غياب يوسف اخترقنا هذا الأمر وذهبنا إلي أكثر الشجر إثمارًا، كانت على الطريق مباشرة، تركنا أنفسنا لشهوة المواجهة، فلنغامر، ما أبشع الحياة دون مغامرة هنا أو هناك.
اقتنصنا أكبر الشجر، ولم نترك فيها ثمرة صغيرة ولا كبيرة إلا أسقطناها بسرعة المتمرسين، قبل أن يرانا أحد.
إنه الكريز، إنتي أظن أن لفظ الكريز آت من لفظ crazy في الإنجليزية ياصديقي، لا يؤكل إلا في لحظات الجنون والحب والمغامرة، أو على أقل تقدير عقب كل حديث عن الحب والشوق، إنه لثمرة تشبه القلب المفعم بلون اشتعال الشوق، بطعم غياب الوعي وانغماسه في نشوة انطلاق الوجع من الروح.. مئات الثمرات أسقطناها ووزعناها على المارة، وأكلنا حتى كاد نبض قلوبنا يتوقف، كأننا ننهل ما تبقى من الثمرات قبل تساقطها، أو ربما قبل فراقنا الذي لم نكن نتوقع.

أين يوسف الآن؟! حدث له مكروهُ أم ماذا؟ لا أعلم.. ذهب يوسف واختفت أجندته التي كتب فيها أشعاره عن ياسمين، يا ليتني ما أعدتها إليه، كانت بين يديّ ذات يوم!
يرتكب الإنسان منا يا صديقي كثيرًا من الحماقات، وهو يظن أنه يحسن صنعًا، يترك أشياءً ويظن أن عينيه ترعاها، يتركها لحين يشتاق إليها، وما المتعة في ذلك لا أعلم!
لا نعلم أن الزمن لن يمنحنا نفس الفرصة مرة أخرى، نريد أن نكرر دهشة اللقاء الأول فيصدمنا الاختفاء الأكبر!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock