أبو السعود محمد يكتب.. رسائل الياسمين

حكاية يوسف العربي 3

صديقي أحمد..

هذه رسالة يوسف العربي  الثانية إلى ياسمين

عزيزتي ياسمين..

انتظرت مقابلتك الأخيرة، وتخيلت هديتك التي وعدتِني بها قبل الرحيل. طالبتِ مني المقابلة الأخيرة، وكان موعدنا عقب عيد الربيع، لم تحددي أي يوم، وأي ساعة وأي مكان هي المقابلة. انتظرت الأمر فحسب، أي وقت معكِ سيكون رائعًا يا عزيزتي.

ما كنت أفعله كل صباح، هو أن أشتري عقد الياسمين وأنتظر المقابلة، كنت أود أن أطوّق معصمك به فحسب.
لا.. الحقيقة كنت أريد أن أطوّق به عنقك، ولم أكون أعلم كيف سيحدث الأمر.

اضطراب عنيف يزلزلني كل صباح، إنه اللقاء الأخير.. حتما ستغفرين لي كل حمقاتي فيه، كنت أتوقع هذا!
قلت لنفسي.. أعرف أنك ستفهمين قصدي إذا استطعت أن أربط هذا العقد بمعصمك، ربما تأخذين به وتضعينه بنفسك يُطوّق عنقك، وتبتسمين!

ياسمين اسمك، هو اسم الحي الذي تسكنين به -عرفت ذلك مؤخرا- وأنا أحضرت الياسمين، فماذا تبقى إذًا غير اللقاء؟! مرّ الوقت، وأنا ما زلت أنتظر، وأترقب.

قبل السفر بساعات ذهبتُ إليك ثائرًا من غير موعدٍ، لعلي ألمحك هناك في حي الياسمين. ذهبت في وقتٍ مبكرٍ جدًا، لا يستيقظ فيه سكان الحي الهادئ أبدًا.
هناك.. أبحث عنك، لم تتوقعي أنتِ ذلك، وتعلمين أنني لا أميل إلى الجدران البعيدة، صامتة الطباع، غليظة الحُرّاس، ممسوحة التضاريس.

تعلمين أنني أحب جدران الحواري، ودبيب الناس فيها، عناقهم المستمر، وملامحهم المختلطة، التي جمعت بيننا عندما التقينا معًا. أستطيع أن أتخفى فيها وحدها، أتحد معها في حزن الدنيا، وأنغمس في وجع العشق.

جئتُ إلى حيكم الراقي، أطوف على مقربة منك، لعلي ألمحك.. لعلي أستطيع، وفي حيكم لا تفلح حيل العاشقين التى اكتسبها أبناء الحواري، حيث لا باعة جائلين، ولا مستر لعمال التراحيل، لا أسواق عشوائية، ولا بيوت متعانقة، لا أسطح متجاورة، ولا مسارات للوصول.. لا أزقة للهروب.

لم تكن خريطة معي، ولا تفاصيل متاحة لي عن حيكم الراقي. خطة مٌحكمة إذًا، وضعها أبناء الأحياء الراقية للهروب، بعيدًا عن تتبع العاشقين من أبناء الحواري أمثالنا. أتقنتِها أنت مثلهم، منذ رحلت إلى هناك.

فعلتِها مثلهم، فنسيتِ موعدُنا، وتحصنتِ بحيكم الراقي، حتى لا يُمكنني الوصول إليكِ، إلا إذا أردتِ أنتِ.. ويا ليتكِ كنتِ تريدين!

أعلمُ أنكِ كنتِ تستعدين لموعد طارئ ذلك اليوم، ألزمتك به ظروف حياتك الجديدة، في حيكم البعيد، بينما كنت أنا استعد لموعدي مع الرحيل، جئت إليكِ ولم أُخْبرك بحضوري، أو رحيلي، ولست أنا من آت لإرباك حياتك.

لملمت ياسميني، وحملت حكاياتي التي كنتُ قد جئتُ بها إليك عن قصص الياسمين في مصر واليمن وسوريا وتونس والسودان.. احتفظت بها في كتاب قديم يلازمني رحلاتي عن عادات البشر والشعوب، يحتوي على فصول كاملة لحكايات الثورة والحب والياسمين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock