أبو السعود محمد يكتب..رسائل الياسمين 4

حكاية يوسف العربي

 

صديقي أحمد..
هذه رسالة يوسف العربي الثالثة إلى ياسمين

عزيزتي ياسمين

وكأني في حلم.. ما زلتُ أبحث عنك، دخلت دون دراية غرفة غير غرفتي في عنبر الهايم، فتحت الباب فوجدت فتاة نائمة بمفردها علي السرير المقابل لباب الغرفة مباشرة.

نظرت إليها مضطربًا، لكنها نظرت إلي مبتسمة، الأمر الذي خفف من توتري.
لم يتضح لي جنسيتها، اختلطت ملامح الجنسيات هنا، بل شبّه لي اختلاط ملامحها بملامحك، الأمر الذي أربكني، ووقفت كل الحروف في صدري، لكني تداركت الموقف، وأخذت أردد اعتذاراتي المتنوعة علّها تعرف إحداها، رددتها سريعًا:
آسف، “سوري”، “إنتشلجونج”.. لا أعلم أفهمت أم لا، ثم خرجت مثقلًا بهموم الدنيا.

أقول لك باب الغرفة مجازًا، لم أقصد بابًا بالمعنى المفهوم يا عزيزتي، فليس هناك بابُ، بل قطعة قماش زرقاء وضعوها مكان الباب لغرفة هشة الجدران، لقيطة الملامح، بعيدة المكان، متعنتة التعامل.. هي عنبر المساجين العابرين إلى هنا.

تتكون من ستة أسرّة، ثلاثة منها بسيطة الأرض، وثلاثة علوية خالية السلم، كأنها خصيصًا لأمثالنا المتسلقين إلى الأحلام، أسرّة عارية السطح يستطيع مَن أعلاها أن يروا الغرف المجاورة، لا يمنعهم عن بعضهم- إذا أرادوا ذلك- إلا مانع الخجل!
لا عليك يا عزيزتي بهذه الحياة، إنها حفل استقبال البشر الذين جاءوا من كل بقاع الأرض إلى برلين.

غريب ما حدث لي لحظة خروجي مسرعًا من الغرفة التي قصدتها بالخطأ.. الخطأ يلعب لعبته المفضلة معي، وكثيرة أخطائي في كل أحلامي، كل حلم بدأت محاولات تحقيقه عاندته كثيرُ من الأخطاء.

كان بخاطري أنني إنسان طبيعي، أستطيع تحقيق أحلامي بضربة أو ضربتين من البدء، لكن الأخطاء صاحبتني في كل تجاربي.. حتى معك يا ياسمين!

وها هي لعبة التشابه أيضا تدخل عالمي، تقتحم أسرار قلبي، تصطحبني دائما، كطفل تشبث بيدها، يخشى أن يفقد توازن ذاكرته الممتلئة بالأماكن والملامح والحكايات معك..

شعرت لوهلة أنها تشبهك، خرجتُ مسرعًا تعبث بخاطري ابتسامتها وابتسامتك، لم أذهب إلى غرفتي هناك في آخر صف الغرف المتراصة، بل ذهبت للحارس الذي يجلس عند كل طرقة من طرقات الهايم، يراقب الوضع من المغيب حتي الصباح، كخفير الدرك، لكنه يبقى كجرس إنذار صامت يشبه هدوء المكان الخافت بين قلوب تنتظر الأمل.

ذهبتُ إليه أسأله عن بعض أشياء لا تهمني على الإطلاق، كل ما كان يهمني أن أقضي معه وقت أطول في الحكايات عن عمله واسمه وبلده، حتى أنتظر خروج الفتاة للعشاء، أعاود تفحص ملامحها، هل فعلًا تشبهك أم ما زلت غمامة الرحيل تشوش على قلبي ورأسي المثقلين بوجع الفراق؟!

باتت المتشابهات لعبتي الثانية المفضلة، هي تبعث الأمل والحزن معا، وأعلم يا عزيزتي أن الأمل كالحزن، يقودان الرجل للجنون أو الموت!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock