أبو السعود محمد يكتب..رسائل الياسمين9

حكاية يوسف العربي

 

عزيزتي ياسمين..

اليوم غالبتني دموعي، قفزت من صدري إلى عينيّ، لا أعلم ما السبب! ربما ذاكرتي أصبحت ممتلئة هي الأخرى بالأوجاع، فلم تعد تسعفني. كنت مستيقظًا للتو من نوم متقطع طوال الليل، أتعب جسدي.
تلعب معي الذاكرة لعبة التخفي، وألعب معها لعبة السيطرة. لا.. بل ربما لا أريد أن أتذكّر سبب تلك الدموع، أو لا يجب أن يظهر الرجل بمشاعر الوجع.

كم آلمتني من قبل دموعك يا ياسمين، كنت أول مرة ألحظها في حياتي، حتى شعرت أنها تجري من عينيك إلى وجنتيك، فتشق صدري شقًا.
وصلتْ وقتها إلى قلبي فقسمته نصفين، أحدهما يقول لي”خذها بين أحضانك، خفف عنها آلمها، إنها لحظة إنسانية، لا عيب فيها إذا ما خففت وجعها، في لحظة فارقة يحتاج الإنسان لمشاعر إنسانية صادقة تطيّب خاطره، تقدم إليها بحضنك، ستشعر هي بذلك”.
والنصف الآخر يقف حائط صد قوي منيع حيال ذلك، يصرخ في وجهي: ماذا تقول؟ أجننت لتلقي بها بين أحضانك، وأنتَ من تضطرب من مجرد مصافحتها أو حتى الحديث معها!
كانا نصفين أحمقين ثالثهما أنا!
ماذا لو فعلتها بقلب محبٍ، وقلبُ المحبِ لا يمكن أن يكون جارحًا.

الأغرب من ذلك أن لساني توقف عن الحديث، كأن مرارة دموعك أصابته باحتقان مزّق أحبالي الصوتية.
توقف العالم لحظتها.. اختبار صعب، غير أني سألت نفسي سريعًا، من أنتَ لتفعلها؟! الآن تقول ربما فعلتها في لحظة من لحظات الجنون التي أدعي أنها تصيب العاشق الموجوع، الذي يبحث في ماضيه عن أي شئ تتشبث به ذاكرته.
آه يا ياسمين.. ليتني جننت وقتها، فليس على العاشق حرجُ، إذا ما كان صادق الفعل.
شعرتُ أنكِ تقتربين من القلب أكثر، بدأ قلبك يصادق قلبي حقًا، فلا تدمع المرأة أمام أحد إلا قد بلغ عندها مبلغًا من صدق المشاعر لتطمئن إليه.

وسط كل هذه المشاعر، قررت أن أقابل دموعك برد فعل آخر لم أستوعبه حتى الآن.
أن أتجاهل دموعك.. كان قراري، فهذه الدموع العزيزة، لا يجب أن تلاحظ عينيك أنني لمحتها.
وحديث نفسي يردد”كوني قوية كما عاهدتك، استمري في مواجهة الصعاب، كما تعودت أن أراكِ دائما”، قلت كل هذا لنفسي وصمتّ! فليس مسموحًا أن ألمسك، أو أن أكشف ضعفك، ليس مسموحًا لي أن أكشف عن حبي أكثر فأكثر.
أنا الممنوع بين يديك.. يُشْقِيه القربُ والبعدُ.

يا الله كيف يفعل العاشق، كيف يطاوعه قلبه أن يظهر كل هذا الجمود، وهو يهتز كأرض أصابها وابلٍ وعصرها إعصارُ وزلزلها زلزالُ بقوة مدمرة في نفس الوقت؟! هل حصّنت السنين هذا القلب الموجوع دائمًا؟! أم زاده الفراق خبرة مواجهة الوجع، أو ربما أصبح يقيس المسافة بين المفروض والمرفوض في العشق، قياس العارفين.
يا لهاتين الكلمتين”المرفوض” و”المفروض”، من قيد لمشاعر الإنسان وفطرته في التعبير عنها.

الآن.. أتحدث في رسالتي إليك عن احتضان دموعك الغالية، ولم أكن يومًا أملك جراءة الأحضان، لو كنت أملكها لربما تغيّر الأمر كثيرًا.
فقط كل ما أملكه هو التخفي في وجعي، واحتضانه بعيدًا.
ولو عاد الأمر نفسه الآن، لفعلت ما فعلته مرة أخرى، ولأخفيت وجعي، وتجاهلت دموعك ل”يبقى وجهك الجميل ضوء صبح في يدي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock