“أنوار علوي الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام”

بقلم: د. عمر محمد الشريف

يظن بعض المتشددين أن الإسلام لا يهتم بالآثار وحضارات الأمم السابقة ، بل يعتقدون أن الآثار القديمة في نظر الإسلام ما هي إلا أصناماً ، وجب هدمها وتدميرها حسب عقولهم الضيقة ، وهم في ذلك واهمون .

الأهرام أحد عجائب العالم القديم الباقية حتى الآن ، صنف في أسرارها عالم من الأدارسة ، بل كان من أوائل العلماء الذين أهتموا بآثار مصر القديمة ، وله العديد من المؤلفات منها ، “أنوار علوي الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام” والذي ألفه بين عامي ٦٢٣هـ و ٦٢٨هـ في عصر الملك الكامل الأيوبي .

هو الحافظ المحدث الإمام الشريف أبو جعفر جمال الدين محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم بن عمر بن سليمان بن الحسن بن محمد بن إدريس أبي المعالي بن يحيى المعتلي الحمودي الإدريسي الفاوي ، المولود في فاو بالصعيد في يوم الجمعة ٢٧ رمضان سنة ٥٦٨هـ ، والمتوفي في يوم الإثنين ٢٢ صفر سنة٦٤٤هـ بالقاهرة المعزية بحسب ما ورد عن المؤرخ المقريزي ، وقيل سنة ٦٤٩هـ .

والكتاب من أهم الكتب العلمية عن تاريخ الأهرام ، وقد جمع فيه ما تفرق من أخبار الأهرام في كتبه التي صنفها مثل كتاب “الجوهرة التيمية في أخبار مصر القديمة” ، وكتاب “مطلع الطالع العيد في أخبار الصعيد” وكتاب “الأدوار والفترات” .

وقد أراد أن يجعل كل ذلك في كتاب منفرد يرجع في أخبارها إليه وتعتمد النقلة لإثباتها في النقل عليه ، فكان الكتاب في 7 فصول ناقش فيها: الطريق إلى الأهرام ، وسبب بناء الأهرام ، ومتى تم بناؤها ، والوظائف المرتبطة ببنائها ، والذين زاروا الأهرام . وقد أعاد طبع الكتاب المعهد الألماني للأبحاث بتحقيق ألريش هارمان عام ١٩٩١م .

في نظر العالم المسلم الإدريسي فإن الآثار الباقية تنطق عن العصور السابقة فيذكر في بداية كتابه: ” الحمد لله الذي جعل ما أبقاه من مشيد الأعلام ، وشواخص المعالم والآثار ، صحفا نواطق وإن كانت صوامت بالعبر لأولي الاعتبار” .

ويقول أيضاً: ” وأذكر فيما أذكر من أخبار الزمان ، وحديث حوادث الحدثان ، أنتي اجتزت مع أبي – رحمه الله – ببربا الأقصر البحرية ، متوجهين نحو شامة وطامة من النواحي القبلية (الضفة الغربية للأقصر) ، ويد التخريب لم تأت بعد من تلك البربا على ما أبقته الليالي والأيام من رسومها ، ولم تمح ألواح جدرانها خطوط رقومها .

وهي من أكبر البرابي ساحة وأوسعها ، وأعلاها جدرانا وأرفعها ، فما راعني بها غير إموال حجارها تحت معاول الحجارين ، وقد كادت صورها المهولة لهول ما نزل بها تبدي لنا الحنين والأنين .

فقال : انظر يا بني لما بنته الفراعنة ، كيف تهده الصناعنه . ولا آسي ولا آسف إلا على فساد ما ينقله المستبصرون عنها ويعتبره المعتبرون منها ، ولو كان لي من الأمر شيء ، ما مكنت هؤلاء الجهلة من خرابها .

وأي حكمة تذهب من الأرض بذهابها ! ولقد وطئت خيل الصحابة رضي الله عنهم – هذه الأرض ، وجالت في هذه البلاد ، ورأت أعين القوم هذه الأبنية ، وما امتدت أيديهم لها بالفساد ، بل تركوها عبرة لمعتبر مستبصر وتذكرة لخبير مستخير” .

ويستشهد الإدريسي بحادثة لجده الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه ، لما خرج إلى صفين حيث مر ببقايا المدائن وإيوان كسرى ، فتمثل رجل من أصحابه ببيتي الأسود بن يعفر قائلاً :
جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد
ورأى النعيم وكلما يلهي به
يوما يصير إلى بلى ونفاد

فقال الإمام علي : لا تقل هكذا ، ولكن قل كما قال الله – عز وجل : {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) } (سورة الدخان ٢٥-٢٨).

إذ اعتبر الإمام علي بن أبي طالب وأصحابه أنفسهم ورثاء لهذا التراث ، ولم يهدموه ، هكذا كان إدراك الإدريسي وجده الإمام علي لقيمة الآثار الباقية من القرون الخالية ، وهذا ما نطلق عليه الوعي الحضاري في القرن الواحد والعشرين .

ويروي الإدريسي في كتابه قصة عالمًا مغربيًّا غضب من تلميذ نابغ عنده كان قد ذهب للحج ولم يقم بزيارة أهرام مصر ووبخه وطرده من مجلسه قائلاً: “أخسس بهمة لطالب علم وحكمة لا يثير من عزمه لرؤية مثلها ساكنًا ، ولا يهيج من تشوقه وتشوفه إلى معاينة ما يمكنه معاينته من عجب كامن” .

يقول التلميذ: “فرحلت على الفور إلى مصر لا لغرض أرمي إليه عن قوس المرام ، سوى رؤية الأهرام” .

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق