تجربة سنغافورة في تغيير “سلوكيات المواطنين”

كتب : محمود كرم

 

نهضت سنغافورة، علي مدار 50 عاما من الصفر تقريبا، واستطاعت حكومتها بفضل قدرتها علي توجية سلوكيات المواطنين، ان تبني مجتمعاً يحظي باحترام واعجاب العالم .

 

سنغافورة تلك الدولة، التي وجدت نفسها عقب طردها من الاتحاد الماليزي واعلان استقلاها 1965 غارقة في مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة وتولي مهمة النهوض بها رئيس الوزراء الراحل لي كوان يو، اذ ادرك كوان يو ان سنغافورة لن تزدهر الا بتغيير شامل.

 

وذكر في حوار مع جريدة “نيويورك تايمز”: “نحن نعلم أننا لو سرنا على نهج الدول المجاورة سنموت فنحن لا نملك شيئا بالمقارنة مع ما يمتلكونه من موارد ولهذا ركزنا على إنتاج شيء مميز وأفضل مما لديهم وهو القضاء تماما على الفساد والكفاءة، واختيار أصحاب المناصب والنفوذ بناء على الجدارة والاستحقاق. ونجحنا”.

 

قد مثل تغيير سلوك الافراد حجر زواية في تأسيس نهضة سنغافورة، اذ يحصل مقدمو المأكولات والمشروبات، علي منحة مالية اذا وفروا بدائل صحية للزبائن في اطار برنامج الغذاء الصحي الذي دشنتة هيئة الترويج لأنماط الحياة الصحية بسنغافورة، ويعد هذا مثالا علي السياسات التي تضعها الحكومة لتوجية سلوكيات المواطنين لإتخاذ قرار افضل.

 

وتم الاهتمام بغرس قيم الانتماء و الولاء بين الافراد الأمر الذي كان يمثل تحديا كبيراً في ظل اختلاف التركيبة الديمغرافية في المجتمع السنغافوري وانتشرت حملات وسبل التوعية في مسارات متعددة شملت الصحة ونظافة البيئة وتنظيم الاسرة واداب التعامل مع الاخرين   ودعت اولي هذة الحملات الي الحفاظ علي نظافة البيئة والصحة العامة تحت شعارات عديدة منها حافظوا علي نظافة سنغافورة, وازرعوا الاشجار .

 

وفي سبيل تحقيق  هذا الهدف تعاونت الحكومة مع فريق مسؤول عما يسمي “بالرؤي السلوكية” للمواطن الذي يطلق علي افرادة اسم وحدة التحفيز المعنية بتطبيق “نظرية التحفيز” علي السياسات الحكومية وهي النظرية التي فاز عنها ريتشارد ثالر بجائزة نوبل وتقوم هذة النظرية علي فكرة مؤداها ان الناس يمكن توجيههم لاتخاذ قرارات افضل من خلال نظريات بسيطة وغير ملحوظة دون مصادرة حريتهم في الاختيار .

 

ان هذا البلد اعتمد في نهضتة علي 3 موارد أو عناصر والتي هي ركائز واسس مهمة لأي تجربة تنموية ناجحة وهي الموارد الطبيعية والموارد المالية واخيرا الموراد البشرية وركزت الحكومة ع اهم عنصر من  هذة العناصر والذي يدير العملية كلها هو الانسان أو الموارد البشرية لذا فإن سنغافورة اهتمت بالتعليم وتجويدة واستطاعت ان تبني عقول تعاملت مع بقية العناصر بشكل ايجابي وكان لها رؤيتها وأهدافها الواضحة نحو المستقبل وقامت بتطبيق كل ما خطط له من استراتيجيات وبرامج وتعاملت مع كل الظروف لذا وصلت الي ما هو علية الان من تقدم وتطوير.

 

سنغافورة استثمرت في مواردها البشرية، وأفسحت كل الفرص للكفاءات الشبابية، اعتبرتهم البوار – الطاقة – التي تفكر وتخطط وتعمل وتنجز وتبتكر وتنهض بالوطن، وركزت على التعليم والتدريب بصورة مبهرة لأنها تؤمن بأنهما مفتاح التقدم والنهوض بالبلد، واعتمدت على الكفاءات والمبدعين، وجعلت فكرة سيادة القانون مزدهرة، ورسخت قيام مجتمع القواعد والمؤسسات، ووضعت فواصل قاطعة بين المصالح الشخصية والمصالح العامة، ولم تحصّن أي مسؤول يخطئ عن أي مساءلة او محاسبة او عقاب، والسنغافوريون يدركون تماماً حضور الدولة ونفوذها ويدها القوية في كل الأوقات، ومتواجدة في كل المجالات، وباستقرار هذه الأدوار على مر السنين تولّد لدى المواطن السنغافوري شعور راسخ وعميق بأن خرق القوانين والقواعد والنظم غير ممكن من قبل الكبير قبل الصغير، وإن حدوث أي خرق من أي نوع وبأي مستوى كان ومن قبل أي كان لا يمكن أن يمر دون عقاب سريع وفعّال ورادع، وللعلم لم تسجل سنغافورة أي حالة من حالات استغلال المناصب العليا في الحكومة والجهاز الإداري للدولة او تقديم خدمات او تسهيلات استثنائية او مكاسب شخصية لأي مسؤول او لأبنائه او أقاربه، كما لم يسجل في سنغافورة اختلالاً في منظومة العمل؛ لذلك لم يجد أبناء سنغافورة تعيينات من فوق او تجد مسؤولين هبطوا على رؤوسهم من فوق دون سابق معرفة، او تمهيد، او تدرج، وبلا جهد وبلا تعب، وبلا مؤهل، وبلا خبرة، كما لن تجد مؤسسات عامة تحتجز او تقزّم في أنانيات او مصالح البعض، وستجد وبالقانون ضوابط حازمة ضد كل من يحرض على الكراهية او العنصرية او يتورط في لعبة المتاجرة بالدين، او إثارة النعرات الدينية او العرقية او الاستقطابات او الاستمالات، شعارهم هناك «سنغافورة عائلتي»، و العائلة برأيهم هي الانتماء، هي الكيان الذي لا يمكن التنازل عنه او التنكر له، والخلاصة أن هذا البلد بات اليوم نموذجاً في الترابط العائلي والتعايش الديني والعرقي,

و اصبحت هذة التجربة نموذجا يحتذي بة من قبل الدول الأخري وقد استطاعت تلك الدولة ان تلحق بركب التقدم والازدهار في زمن قياسي,

 حيث انتقلت من جزيرة منسية الي دولة مستقلة أستوعبت مجريات العصر وأصبحت في زمن قصير أحد أغني أغنياء بلدان اسيا والعالم وتعتبر قصة نجاح رائدة في العصر الحديث فقد تمكنت تلك الدولة الصغير التي لا تتجاوز مساحتها 746 كيلو متر مربع أن تصبح نموذجا للنجاح الاقتصادي العالمي.

 

وبالفعل أنها تجربة تستحق التأمل والاستفادة فهي عند المقارنة تثير فينا الأسى والحسرة،  فهل يمكن أن نقتدي بهذه التجربة حقاً، وماذا نحتاج لنحسم معركة السير على نهج وخطى سنغافورة وجعل الطريق سالكاً في كل الاتجاهات لبلوغ هذا «الحلم».. هذا هو السؤال..؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock