حسن إسميك يكتب: الاقتصاد الإماراتي والسلام ريادة إقليمية نحو العالمية

لا يقل الاقتصاد شأناً عن السياسة في بنية العقل الاستراتيجي الإماراتي، فقد قامت العلاقة بين اقتصاد الإمارات وسياستها على التأثير والتطوير المتبادل بين المجالين.

حيث ركزت السياسة الداخلية منذ التأسيس على دعم الاقتصاد وتطويره ليكون بالمقابل رافداً قوياً لأهداف السياسة الخارجية للدولة الاتحادية.

وهذا ما يجعل الإمارات العربية المتحدة اليوم لاعباً صعباً ومهماً على مختلف المستويات العربية والإقليمية والدولية.

ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى النهج الذي أرساه القائد المؤسس لدولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في قيادة الدولة وفي تعامله مع مختلف القضايا، واستمرار خلفه على هذا النهج، حتى في أعقد الملفات وأكثرها حساسية.

ولعل أحدث مثال على ذلك هو خطوتها الجريئة في عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، والذي من شأنه أن يؤثر في مستقبل المنطقة ككل، ويجعل من الإمارات وسيطاً رئيسياً في أي عملية سلام مقبلة.

مقابل اعتماد الإمارات سابقاً على الاقتصاد التقليدي، كالصيد، والزراعة، وتجارة التمور، واللؤلؤ، جاء التحول الاقتصادي للدولة شاملاً وكلياً بعد اكتشاف النفط أولاً، ثم تأسيس الدولة الاتحادية ثانياً.

إذ لم يركن حكام الإمارات إلى ريعية النفط، بل عمدوا منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى تبني سياسة تنموية تقوم على تنويع مصادر الدخل ودعم القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. واستطاع الاقتصاد الإماراتي بذلك أن يعزز مكانته على المستوى العالمي.

أثبت الاقتصاد الإماراتي قدرةً وكفاءةً في التعامل مع الأزمات الاقتصادية، وذلك بسبب العديد من المقومات التي يملكها، من أبرزها: نجاح سياسة التنويع الاقتصادي التي تبنتها الدولة في تنويع مصادر الدخل، وفتح المجال أمام كل القطاعات والفعاليات الاقتصادية لتصبح شريكاً فاعلاً في الاقتصاد الوطني.

فضلا عن توجه الدولة الإماراتية إلى الاستثمار في اقتصاد المعرفة (مثل الطاقة النووية والطاقات المتجددة)، بالإضافة إلى امتلاك الإمارات الصناديق السيادية الكبيرة (أبرزها جهاز أبو ظبي للاستثمار)، مع وجود احتياطيات دولية ضخمة مقابل مديونية منخفضة.

يضاف إلى ذلك أيضاً، تبني الإمارات لسياسات اقتصادية منفتحة وبيئة عمل تنافسية، مع امتلاكها لعلاقات تجارية واسعة مع مختلف دول العالم.

تتميز الإمارات بتبني سياسة دعم وجذب المستثمرين والمبدعين والمبتكرين من خلال السماح للمستثمرين الأجانب بتملك 100% من المشروع عكس غالبية دول المنطقة، وتقوم بمنح المستثمرين تأشيرات إقامة تصل إلى 10 عشر سنوات، بالإضافة إلى جذب ودعم الكفاءات المتخصصة في مختلف المجالات الطبية والعلمية والبحثية والتقنية وتشجيع العلماء والمبدعين.

وضع صانع السياسة الإماراتي بحسبانه أنّ وجود اقتصاد قوي بحد ذاته يبقى منقوصاً، ما لم يتم تدعيمه بنهج سياسي مرن قادر على تفعيل القوة الاقتصادية في الشؤون الخارجية.

وهذا ما تم العمل عليه منذ تأسيس الدولة في العام 1971، حيث تبنت الإمارات سياسة خارجية تتسم بالحكمة والاعتدال والتوازن، واعتماد أسلوب الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء، وترسيخ احترام المواثيق الدولية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة والقيم الإنسانية النبيلة، واحترام قواعد حسن الجوار وسيادة الدول.

بالإضافة إلى وحدة أراضيها، وحل النزاعات بالطرق السلمية. وقد أثمرت هذه السياسة بشكل إيجابي وفاعل في مكافحة الإرهاب والتطرف وتعزيز ثقافة التسامح، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مختلف المجالات، إيماناً بالشراكة الإنسانية التي تمثلتها رؤيا سياسة حكم الدولة منذ الشيخ زايد رحمه الله.

وقد عملت الإمارات ضمن إطار هذه الرؤيا على دعم الأبعاد الإنسانية للسياسة الخارجية، والتي تتمثل في المساهمة بتلبية احتياجات الشعوب والحد من الفقر، والقضاء على الجوع، وإنجاز مشاريع التنمية المستدامة، عبر شراكات واسعة الطيف مع المنظمات الدولية كاليونسكو واليونيسيف وغيرها.

فضلا عن تقديم المساعدات الطبية أثناء الأزمات والكوارث، كتقديم المساعدات الطبية أثناء أزمة كورونا إلى العديد من الدول العربية والأجنبية بمئات الآلاف من الأطنان.

كما استشرف صانع السياسة الإماراتي أهمية القوى الناعمة في السياسة ومدى تأثيرها، حيث تعد الإمارات من الدول الرائدة على الصعيد العربي في مجال استخدام القوى الناعمة، وتصنف في المراكز الأولى عالمياً بعد ألمانيا.

وتهدف استراتيجية الدولة عبر استراتيجيات القوة الناعمة إلى تطوير هوية موحدة للإمارات في كافة المجالات الإنسانية والاقتصادية والسياحية والإعلامية والعلمية، والعمل على تعزيز موقعها كبوابة للمنطقة العربية، وكمركز مهم في المجالات الثقافية والفنية والإعلامية والسياحية والعلمية.

بالإضافة إلى تطوير شبكات دولية فاعلة من الأفراد والمؤسسات حول العالم بما يخدم أهداف الدولة الإماراتية ومصالحها، والعمل على ترسيخ رسالتها كدولة حديثة ومنفتحة ومتسامحة ومحبة لكافة شعوب العالم.

عملت الإمارات على اتخاذ العديد من الإجراءات التي تعزز من ثقافة الانفتاح على الآخر وقبوله، حيث أصدرت في العام 2015 قانوناً لمكافحة التمييز والكراهية الذي يقضي بتجريم كل أشكال ازدراء الأديان والمقدسات، والتمييز على أساس الدين أو العقيدة أو الطائفة أو المذهب أو الأصل أو العرق أو اللون.

وقد ساهمت هذه السياسات في تأكيد الحضور الإماراتي على المستوى العالمي، وأدت إلى تلبية البابا فرانسيس لدعوة الدولة الإماراتية من أجل حضور مؤتمر حوار الأديان المنعقد في أبو ظبي في العام 2019، إلى جانب العديد من رجال الدين وعلى رأسهم الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.

حيث تم توقيع ” وثيقة الأخوة الإنسانية ” بين كل من البابا فرنسيس والدكتور أحمد الطيب، والتي تهدف إلى تعزيز العلاقات الإنسانية وبناء جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب، إلى جانب التصدي للتطرف وسلبياته.

لقد تمت صياغة نموذج القوة الإماراتي إذن على تعامد ركني التأثير الدولي الرئيسين: اقتصاد قوي ومتقدم يتسم بالتنوع والثقة، ونهج سياسي خارجي فاعل ومؤثر.

لكن، ولكي تتمكن الإمارات من الوصول إلى أهدافها المنشودة في تحقيق الأمن والاستقرار وبناء السلام في المنطقة، وبدء عملية تنمية مستدامة تتشارك فيها كل دول الإقليم (كي لا تكون وحدها جزيرة متطورة في بحر من الفوضى)، فإن ذلك يتطلب حلاً لقضايا عالقة هددت وما زالت تهدد الاستقرار والبناء، وعلى رأسها التهديد الإيراني في الخليج العربي، ومحاولات طهران المستمرة فرض هيمنتها في الإقليم كله، بالإضافة إلى الارتدادات المستمرة لملف الصراع العربي الإسرائيلي وتأثيرها على أغلب دول الجوار. ومن هنا جاءت خطوة الإمارات التاريخية بعقد اتفاق سلام مع إسرائيل.

شكَّل التوقيع على معاهدة السلام بين والإمارات وإسرائيل في البيت الأبيض، في 15 أيلول/ سبتمبر من العام 2020، لحظة فارقة ومفصلية في تاريخ الإمارات والمنطقة ككل.

إذ تُمثل بدايةً لمرحلة جديدة في السياسية الإقليمية والدولية الإماراتية، وسيكون أهم انعكاساتها دعم الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية من خلال اشتراط الإمارات وقف ضم الأراضي الفلسطينية، والعمل الجاد على إعادة إنعاش فرص السلام، فقد نجحت المعاهدة في إعادة تفكير صانع القرار الأمريكي بضرورة وجود أطراف عربية فاعلة في عملية السلام.

كما يمكن الإشارة إلى أن أبرز المؤشرات والدلالات الاستراتيجية المتوقعة لهذه المعاهدة سيتمحور حول انتصار تيار الاعتدال في الشرق الأوسط والذي يضم الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية والأردن، بالإضافة إلى زيادة فرص التعاون والتنسيق الإماراتي-الإسرائيلي على مختلف المستويات من أمنية وغيرها فيما يتعلق بالتهديد الإيراني، على اعتبار أن لكلا البلدين مصلحة في التحالف من أجل مواجهة هذا التهديد.

تؤسس هذه الاتفاقية لعلاقات قوية بين الجانبين في مختلف المجالات بسبب العديد من العوامل، أهمها:
-إنّ الإمارات تاريخياً ليست طرفاً مباشراً في الصراع العربي-الإسرائيلي.

كما أنّ غياب الحدود المباشرة بين الجانبين يُقلِّل من درجة الحساسية ويدفع إلى تطوير علاقاتهما، يضاف إلى ذلك طبيعة الإمارات بوصفها دولة تقوم على احترام التنوع والتعدد الثقافي والديني، وتتميز بغياب التنظيمات الدينية المتطرفة داخلها بسبب عدم وجود أرضية لها.

كما أن صعود التهديدات غير التقليدية (كجائحة كورونا) يفتح المجال ويخلق فرص واسعة للتعاون في خدمة مصالح المنطقة ككل.

– ستسهم الاتفاقية في تعزيز المصالح الإماراتية مع الولايات المتحدة وتوطيد التحالف معها، وتعزيز العلاقات مع الدول الأوروبية أيضاً، وستفتح الباب واسعاً أمام التعاون الإماراتي الإسرائيلي في مختلف المجالات مثل الاقتصاد والتجارة، والطب والصحة، والتكنولوجيا بشكل عام، وتكنولوجيا الاتصالات بشكل خاص، بالإضافة إلى التعاون في مجال الموانئ البحرية.

لقد جاءت اتفاقية السلام لتكمل الهدف الإماراتي بتحقيق الريادة على المستوى الإقليمي، من الناحية الاقتصادية بالدرجة الأولى، وذلك من خلال خلق فرص جديدة وحقيقية للتعاون والاستثمار في مختلف المجالات.

ومن الناحية السياسية في المرتبة الثانية، وذلك بتثبيت نفسها كطرف ضامن وفاعل في عملية السلام، وبذلك تكتمل الصورة التي طمح لها صناع السياسة الإماراتيون بتحقيق التفوق الاقتصادي، مع وجود سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة داعمة له.

بالإضافة إلى التقدم الحضاري، وبذلك نكون أمام نموذج ريادي إماراتي متقدم اقتصادياً، وفاعل سياسياً، ومؤثر حضارياً، ليست التنمية المستدامة والاستقرار والسلام في المنطقة بالنسبة له أحلاماً، بل أهدافاً تتحقق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق