حسن إسميك يكتب: “غرّبوا النكاح”.. تأملات على هامش التغيير والتطور

على عكس المتوقع، كلما شعرت بالإرهاق من ضغوط العمل ومشكلاته، وبدل اللجوء إلى الموسيقى أو الاتصال مع الطبيعة، أجدني تواقاً لقراءة كتب العلوم الطبيعية وتصفح مجلاتها ومنشوراتها، وخاصة البيولوجيا وعلم الأعصاب أو الفيزياء وعلم الفلك أو علوم الأرض، وهي المجالات التي ما زالت تستهويني أكثر من غيرها.

وغالباً ما تؤدي هذه القراءات إلى استعادة النشاط والحيوية، وتمدني بمخزون كبير من الطاقة المتولدة عن تنشيط الدماغ وتحويل اهتماماته لموضوعات متباينة عن موضوعات العمل المرهقة، وهذه وصفة عملية ممتازة لتحقيق الاسترخاء، على العكس تماماً مما قد يُظن، أدعوا القرّاء إلى تجربتها والتمتع بلذة اكتشاف أسرارها.

اكتشفت مرة بعد أخرى أن أكثر سبب يشدني إلى القراءة العلمية هو فهم “القوانين” في الوجود، أو هذه الرموز البسيطة والكلمات المختزلة والمحددة التي تكشف، بعمق وبساطة متناهيين ومدهشين في الوقت ذاته، عما يُسمى “علاقة” بين ظاهرتين أو حدثين طبيعيين يؤثر أحدهما في الآخر، فيحدد القانون السبب والنتيجة تحديداً قطعياً في أغلب الأحيان.

ولأن هذه القوانين بسيطة وعميقة في آن معاً، بالإضافة إلى كونها عامة وكلية وشاملة فإنها تستقر في الوعي وتوجه التفكير رويداً رويداً بشكل لا شعوري، حتى تصبح مع مرور الوقت جزءا من آلية عمل العقل وقوانينه،

فتحول وعينا ككائنات مفكرة من المستوى الغيبي إلى مستوى الوعي العلمي القائم على ربط الأسباب بالنتائج، ورفض الأفكار غير المنطقية،

وتحثنا بشكل تلقائي على اتباع خطوات المنهج العلمي، ليس في القضايا العلمية فحسب، بل أيضاً في حل مشكلاتنا الحياتية، اجتماعية كانت أو سياسية أو نفسية.. إلخ.

هذا ما يفسر ما يمكن أن أسميه إجرائياً “هجرة القوانين”، وهي عملية عقلية مدهشة تقوم على سحب قانون أو قاعدة أو مبدأ علمي عام من مجال معرفي ما وتطبيقه على مجال آخر، أي أن نقيس نظرياً في المجال الجديد ما ثبت بالبرهان العملي في القديم، لنجد أنه يصح بدرجة مطابقة، أو قريبة من التطابق، في المجال الجديد،

وهذا ما يدعم نظرية وجود قوانين عامة تكون في بعض المجالات أكثر وضحاً من مجالات أخرى. لكنها تبقى في المحصلة سنن كونية تبقى ثابتة ومجردة، بينما تتنوع تطبيقاتها وماصدقاتها بتنوع الظواهر ومجالاتها.

يتضح مفهوم “هجرة القوانين” الذي تحدثت عنه آنفاً في انتباه علماء الاجتماع إلى أن قوانين التطور التي تناولها داروين ومن بعده في مجال الطبيعة والبيولوجيا يمكن أن تصدق أيضاً في المجال الاجتماعي، فأصبحت النظرية التطورية في علم الاجتماع واحدة من النظريات الأساسية التي لا يمكن إنكار تأثيرها،

وهكذا دواليك يصبح التطور مفهوماً علمياً عابراً لكثير من المجالات رغم أن الاستخدام الشائع له مرتبط عادة بالمجال الاقتصادي أو الصناعي، أو معياراً للحضارة والازدهار.

ورغم اعتقادنا ببساطة هذه المفردة (أقصد التطور) التي لا تحتاج كل هذا “التفلسف” برأي البعض، فإنها تبقى إحدى القوانين الكونية التي لا يمكن بدونها فهم الظواهر المحيطة بنا وصيرورتها وتحولاتها، بل إن التأمل العميق في أبعادها سيحيلنا إلى مجموعة من الرؤى الفلسفية التي ستسهم في تعميق معرفتنا بذاتنا وبالعالم من حولنا،

وأهم هذه الرؤى بوجهة نظري أن الغاية من وجود الإنسان وهويته ليست أشياء ثابتة ومنجزة، بل متبدلة ومتحولة في الزمان والمكان بسبب التحولات الدائمة التي تؤثر بشكل حاسم في وجودنا ووعينا بهذا الوجود، وهذا ما يدعى بنظرية” الخلق المستمر”.

يرتبط مفهوم التطور بهذا المنحى بفكرتنا عن “التغيير” بوصفه شرط أساسياً لكل تطور، ورغم أن مفهوم “التغير الدائم” أو “الصيرورة” واحد من المفاهيم الفلسفية الأساسية التي سلّط عليها الضوء الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، إذ اعتبر أن التغير الدائم جوهر الوجود برمته،

فإننا ما زلنا حتى اليوم نكتشف الأبعاد المهمة لهذا المفهوم في حياتنا وقيمنا وتصوراتنا ووعينا، حتى أصبح “التغيير” واحداً من مسلمات فلسفة الحياة المعاصرة، وعنصراً أساسياً في تحديد قيمة وجودنا وإنجازنا وقدرتنا على التكيف وحل المشكلات.

ولم يعد خافياً الاهتمام الذي يوليه خبراء الإدارة العامة بهذا المفهوم، والتأكيد دائما على أن قبول التغيير والاستعداد له وسرعة التأقلم معه تعد أهم أسباب النجاح والاستمرارية، بينما يعد رفض التغيير والخوف منه أو تأجيله أهم أسباب الفشل والتخلف.

راودتني هذه التأملات عن مفهوم التطور، وبقية المفاهيم المرتبطة به والتي ذكرت بعضها أعلاه، من حوار جاء مصادفة بيني وبين أحد الأصدقاء ذكرت فيه المقولة الشهيرة لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه: (غرّبوا النكاح) وتداولنا على إثرها فكرة التغريب واثره في التغيير والتطوير،

ومع أن العلم والفلسفة لم يكونا حاضرين في ثقافة عصر صدر الإسلام، إلا أن العقل العربي آنذاك كان متطوراً ضمن سياقاته التاريخية التي برزت واضحة مع المراحل المتأخرة من الجاهلية ثم فجر الإسلام، وقد انعكس هذا التطور بشكل جلي في الشعر العربي القديم الذي احتلت “الحكمة” جزءا محوريا فيه،

بالإضافة إلى ما عُرف عن العرب من أمثال ومقولات اختصرت خبرة الأجيال المتعاقبة وتراكم تجاربهم.
واليوم، مع التقدم العلمي الهائل في مجال علوم الحياة، صرنا نفهم بشكل أكثر دقة الغاية التي رمى لها عمر ابن الخطاب في وصيته بتغريب النكاح،

وصار لدينا الكثير من الأدلة والبراهين التجريبية التي تؤكد خطورة زواج الأقارب والمساوئ التي قد تترتب عليه، والتي غالباً ما تؤدي لأطفال ضعيفي البنية ومحدودي القدرات الجسدية أو العقلية أو النفسية، أو ربما جميعها.

إن تغريب النكاح يؤدي لتحسين النسل وتقوية المناعة والحفاظ على الصحة الجسدية والعقلية والنفسية، ويحفظ الاستمرارية عملاً بقانون البقاء للأفضل. والمدهش في الأمر أن الإزاحة المباشرة لمفهوم “التغريب” بحد ذاته ستحيلنا إلى فضاءات متعددة: اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وعلمية… تتجاوز الفرد وكينونته لتصل الى بنية الدولة ، فتغريب النكاح مثلاً سيؤدي بمجرد وقوعه إلى عكس مضمونه،

إذ عندما يتزوج الغريبان فإنهما سيصبحان مباشرة غير ذلك، فيصبح الغريب قريباً، والأجنبي أهلاً، والمجهول معروفاً، ولن ينعكس الأمر على صحة الأبناء وسلامتهم فحسب، بل ستتبعه مجموعة من التغيرات الايجابية البطيئة التي ستقوى وتشتد رويداً رويداً أيضاً، سيكون منها الانفتاح على الآخر، وقبول المختلف، وتشارك الخبرات والتعرف على ثقافة جديدة.. إلخ.

وحيث أن انزياح المفاهيم لا يتوقف عند حد معين بذاته، بل قد يشمل كل ما هو موجود، فيمكن حينها سحب المفهوم على مجالات أكثر سعة وتنوع، فلا يكون “التغريب” مثلاً فعلاً مستقلاً بحد ذاته، بل جزء من مفهوم أعم يحيل إلى مكون أصيل في السلوك البشري،

يقوم على السعي وراء التغيير، (على عكس الكائنات الحية الأخرى التي لا تتغير بإرادتها)، والانفتاح على الآخر وقبوله، والرغبة والفضول في اكتشافه، ومشاركته الخبرات والمعارف، ثم تطوير ذلك كله،

ليتحول من مستوى الأفراد إلى مستوى المجموعات ثم المجتمعات، وصولاً إلى الدول والحضارات وتنوع الثقافات ومرجعياتها التاريخية والدينية والأخلاقية.

ولكي يتحقق ذلك كله في مستوى مقصود ومخطط له وضمن أهداف محددة، فلا بد حينها من توفر قوة الإرادة ووضوحها، مع حُسن النية وصفائها،

وبذلك تنشأ العلاقات الإيجابية وتؤتي خير ثمارها، فيكمل فيها كل ذي حاجة حاجته، وتتضافر نقاط القوة، وتُعالج نقاط الضعف، فتتحقق الإمكانات وتزول التحديات والعقبات.

والطريف في الأمر أنه رغم حالتنا الصعبة نحن العرب اليوم، إلا أن كثيرين منا قد “غربوا النكاح” إلى أقصى ما يستطيعون، إذ هاجر شبابنا باتجاه الغرب، وتزوجوا منه، ودخلوا الثقافات الجديدة، وحاولوا تقبل الآخر وكسب ثقته وقبوله لهم أيضاً،

نجح بعضهم وفشل آخرون، ووقع كثيرون في حالة “البين بين”، فلماذا نتحمس لتغريب النكاح ولا نتحمس للتغريب الحضاري والثقافي؟ ألأننا ضعفاء نخشى الذوبان في حضارة الآخر وثقافته؟ فنتمترس خلف قوميتنا وتعصبنا الديني والمذهبي لنحمي ضعفنا.

بينما المطلوب على العكس تماماً، أن نتخلص من هذا الضعف ونرميه خلف ظهورنا، ونستعيد ثقتنا بأنفسنا، ونعرف نقاط ضعفنا وقوتنا، فنعالج الأولى بمزايا الثانية، ونبرهن للآخر أننا قادرون على التعاون والبناء سوية، ومستعدون لتبادل النفع ودعم الربح المشترك، فيما يحفظ مصالحنا ومصالح غيرنا، ويزيد المصالح المشتركة فيما بيننا.

قبل أن أمضي في تحليل التطور، ارجو من القارئ أن لا يستهجن استخدامي لفكرة النكاح بهذا المعنى، أودّ أن أشير إلى أن لفظة “النكاح” هي الأخرى قد هُجّرت من معناها الأصلي إلى معنى الزواج، فقد قالت العرب تناكحت الأشجار، أي انضمت إلى بعضها، ونكح المطر الأرض أي اختلط بترابها، ونكح النعاس عينيه أي غلبه، ونكحه الدواء أي خامره وغلبه.

وإذا كنا نريد حقاً اللحاق بركب الحضارة المعاصرة، أفلا يتطلب ذلك الاستجابة للشروط التي صنعت تقدم الغرب وتطوره، وهو الذي تبارت دوله في استقطاب العقول المهاجرة إليها، ومنحت الوافدين جنسيتها بأقل الشروط أحياناً، أو بلا شروط أبداً في أحيان أخرى، بينما في بلداننا، يولد الطفل منا سورياً أو أردنياً أو مصرياً أو تونسياً… إلخ، ويموت كما ولد،

وإذا كان من الطبيعي في الغرب عموماً وفي أمريكا خصوصاً أن تسأل الإنجليزي أو الفرنسي أو الأمريكي عن أصله، وهذا لا يعني جنسيته بحال من الأحوال، فإن هذا السؤال سيكون بلا معنى في بلداننا، فجميع العراقيين لدينا أصلهم عراقي، وجميع الليبيين أصلهم ليبي، وهكذا دواليك.

حتى لقد فرض هذا “الستاتيكوس” حالة جمود وترهل في كفاءات العنصر البشري لدينا، وفرض استقراراً سلبياً يشبه استقرار الماء الذي يفسده السكون وينقيه الجريان الدائم.

ورغم ذلك يمكنني القول أن الإمارات العربية المتحدة كانت أكثر الدول العربية تطلعاً إلى كسر طوق الجمود هذا، فقد بدأت منذ التسعينات بالتميز عن غيرها في الانفتاح وخلق بيئة متفردة في المنطقة، عبر إطلاق مشاريع تحديث البنية التحتية الجبارة، بالتوازي مع تحديث القوانين والتشريعات التي عملت على جذب الشباب العربي الكفؤ والمؤهل، واستقطاب الخبراء من كل أنحاء العالم، وكانت لخطتها التنموية أن تؤتي ثمار أكلها أكثر من ذلك بكثير، لولا التحديات الإيديولوجية التي تعاني منها المنطقة ككل،

بالإضافة إلى تتابع الأزمات المالية العالمية التي حدّت بشكل كبير من أفق خطط التنمية في الإمارات وكافة الدول العربية، ولكن ما تزال الآمال معقودة على خطة 2030 التنموية والتي يمكن ان توصل الإمارات إلى مصاف الدول المتقدمة، لتكون من دول العشرين الكبار إذا غربت النكاح بالمعنى الواسع.

وهنا يراودني سؤال دائم، ماذا لو أن الدول العربية، مثل مصر أو السعودية أو الإمارات أو لبنان وغيرها، سمحت لمن هجرها من الشباب العربي الذين تنقلوا وارتحلوا في أصقاع الأرض، واكتسبوا الخبرات والمعارف في شتى المجالات، بأن يعودوا إلى إحدى هذه البلدان، مع توفير قوانين منح الجنسية وكل وسائل الدعم والتحفيز لهم، ومنحهم الحريات التي يحتاجونها في أعمالهم ومشاريعهم،

فكم ستيف جوبز سيكون لدى هذه الدولة بعد عشر سنين؟ وفي أي مرتبة سيكون موقعها في التقدم العلمي والتجاري والصناعي…؟

وإذا أردت أن أزيد في توضيح مقولة (تغريب النكاح) على المستوى السياسي العربي، فسأقول بلغة العلم: أن التغيرات الكمية التي ستحصل في بنية الدولة العربية نتيجة للتلاقح على كافة المستويات، ستؤدي حتماً إلى تغيرات كيفية جديدة قادرة على الاستمرار، ومناقضة لأفكار أخرى، لتولد من صراع الأضداد تطورات جديدة وعلى كافة المستويات داخل المجتمع والدولة، وهكذا في عملية تعاقبية مستمرة في التغيير والتطور.

لننظر حولنا مثلا، ها هي إسرائيل بدأت منذ أكثر من سبعين عاماً صغيرة، ثم توسعت وكبرت بتغريب نكاحها، واستقطبت الخبرات اليهودية من جميع أنحاء العالم، فاستطاع هذا الخليط المتعدد الجنسيات أن يصنع دولة قوية بنيت عبر توحيد الخبرات المتباينة والثقافات المتعددة التي جلبها اليهود معهم من جنسياتهم المختلفة من كل أصقاع الأرض

وكانت النتيجة تأسيس مجتمع متقدم صناعياً ومعرفياً شد إليه أنظار العالم بتقدمه العلمي والتكنولوجي، فازدادت قوة وتفوقت علينا مع أنها أيضا في منطقتنا،

بينما ازداد العرب من حولها ضعفاً وفرقة وما زال عندنا فريق منا ينكر وجودها ويرفضه، فيزداد انغلاقاً على نفسه ومحيطه، ويتهددها بالحرب والإبادة، فيزداد ضعفه كلما زاد تهديده، وهو مصرًّ على تجميد وثبات التاريخ الذي تبدّلت مساراته، ناكر للتغيير والتحول الذي يجري من حوله، متأخر عن الحاضر بعيد عن المستقبل، يهرول إلى المجهول رافعاً سيفاً خشبياً يحارب به طواحين الهواء من حوله، يصحو على جعجعة حرب الشعارات، وينام على وهم الانتصارات.

إذن، ليس ثمة مشكلة في أي منطقة في العالم، فكل أرض تقبل أن تكون متطورة ومتقدمة، إنما المشكلة في العقول التي تسكن هذه الأرض أو تلك. ولا يخفى على أحد كيف أن العرب الذين هاجروا ديارهم باتجاه الغرب، وقدموا ولاءهم للدول التي احتضنتهم وعاملتهم بأفضل مما تعاملهم به بلدانهم الأصلية،

فأبدعوا في المهجر، وصار منهم علماء ومخترعين وأثرياء ساهموا في تغيير العالم، هذا ما فعله ستيف جوبز وأحمد زويل وفاروق الباز وغيرهم.

فلنتخيل لو أننا في البلاد العربية نستقبل الغرباء من كل أصقاع الأرض، ونمنحهم جنسيات بلادنا وحقوق مواطنتنا، ونعمل على دمجهم في حضارتنا وثقافتنا، ونمنحهم حرية التفكير والعمل والإنتاج، فهل سيكون واقعنا على ما هو عليه اليوم؟ هذا الآن مجرد خيال محض،

فالدول العربية ما زالت تعامل اللاجئ الفلسطيني الذي ولد على أراضيها باعتباره مؤقت الإقامة، يحمل هوية اللجوء في حلّه وترحاله، ويعيش حياته محروماً من حقوق المواطنة وتسهيلاتها، أفليس هذا تدمير ممنهج للإنسان والأوطان؟

أما الأقرب من الغرب ومن إسرائيل، فهو فريق منا ما يزال يعيش بعقلية خشبية، يرفض التغيير والتطور جيلاً بعد جيل، فتراه يعيش بيننا في الألفية الثالثة، ولكنه ما زال مسربلاً بقمصان القرون الوسطى وأفكارها، هدفه في الحياة استعادة الماضي بكليته،

ذلك الماضي الذي يبدو في نظره مجيداً، وهو لا شك مجيد في بعض جوانبه وفي وقته، لكن استعادته بكليته اليوم لن يصنع الرقي والتقدم،

فنحن الآن بأمس الحاجة لمواكبة العلم والثورة التكنولوجية وما بعدها، والتحرر من العقلية المنغلقة بما يساعد على توفير الشروط اللازمة لإنجاز عملية “تغريب نكاح” وعلى كافة المستويات، تكنولوجياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً… بما ينسجم مع مبادئنا وقيمنا لنلحق بركب الحضارة الانسانية ونكون فاعلين في انتاجها، وبذلك يتبدل حالنا، ويتغير حاضرنا.

غير أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، هذا قانونه في خلقه، فهل سيأتي علينا زمان نقرأ فيه وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه قراءة معاصرة، فنفتح آفاق التغريب مع الحضارات الأخرى ونتبادل معها التأثير والتأثر، ولا نبقى حبيسي جنسياتنا ومواطنياتنا،

وهل سنغرب النكاح بمعناه الواسع فنختلط بالآخرين، نضمهم إلينا وننضم إليهم، ونمنحهم جنسياتنا كما فعلوا هم معنا، ونسمح لهم بالتمتع بالمواطنة ضمن حدودنا ولو لم يولدوا على أرضنا، أم سيبقى التغريب لدينا قاصراً على الزواج بشقراواتهم، وشراء منتجاتهم، مع تمسكنا بتكفيرهم واتهامهم بحرابنا والتآمر علينا؟

أخيراً.. ساقتني هذه الأفكار إلى ذكرى قصة مضى عليه ما يزيد عن عشر سنوات، يوم التقيت رئيس وزراء إحدى الدول العربية التي تحررت من الاستبداد بدعم الغرب لها، قلت له حينها: استثمر فرصة دعم الغرب لك وأسس دولة قوية ومعاصرة استقدم لأجلها الخبراء من كل دول العالم، وامنحهم الجنسية ضمن شروط ميسرة ليشعروا أنهم يعملون في بلاد أصبحوا مواطنين فيها، فإذا فعلت ذلك فأنا أضمن لك أن تتحول دولتك تحولاً جذرياً وتصبح سباقة في المنطقة كلها،

فأجابني أنه مستعد لدعمي في أي عمل أريد ومنحي الجنسية باستثناء خاص، شكرته موضحاً أني لا أريد دعماً شخصياً ولا استثناء، ولكني أقصد تغييراً عاماً في القوانين والتشريعات يسهل الاستثمار والعمل، ويحفظ حقوق المستثمرين والعاملين، أما الاستثناءات فيمكن سحبها في أي لحظة دون وجود قوانين وتشريعات عامة.

ما زالت هذه الدولة تعاني حتى اليوم، وما زلت أفكر كلما سمعت أخبارها ماذا لو أن صديقي قد عمل بما أشرت عليه، وفتح البلد أمام الجميع، وشرّع قوانين الهجرة والجنسية، واستقطب الخبراء والأثرياء من كل دول العالم؟

أظنه لو فعل ذلك لكانت دولته اليوم في مصاف الدول الرائدة، تسعى بشكل حثيث نحو مكانة مرموقة إقليمياً وعالمياً، لكنها الآن وللأسف خارج التاريخ، تعاني الانهيار الاقتصادي والتهالك الاجتماعي والتفكك الجغرافي، أرهقها غياب الأمن وسيطرة الميليشيات وفقر المواطنين، ابت أن تتغير باختيارها، فغُيّرت للأسوأ رغما عنها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق